مشوار بأجرة "راكِبَيْن"..

"ذوو إعاقة" يشتكون من إهانات واستغلال في وسائل المواصلات

4/12/2018
بقلم : آلاء أبو عيشة
 

تقارير | المقدسي للاعلام:

لم يكن لديها وقتٌ للتفكير أصلًا، ساعة انتظار كاملة أمام موقف السيارات في حي التفاح شرق مدينة غزة، كانت كفيلةً بجعلها توافق على أي عرضٍ يمكن أن يقدمه لها سائق أجرة بشرط أن تصل الجامعة الإسلامية وسط المدينة قبل الواحدة ظهرًا.

 

"حسنًا، سآخذ منكِ أجرة راكبين، ما رأيك؟" سألها أحدهم بعد أن أوقف سيارته وفيها من الركّاب ثلاثة، نظرت فداء الريفي (30 عامًا) نحو النافذة الخلفية وردّت على سؤاله بآخر: "لماذا اثنين؟! في سيارتك مقعدٌ واحدٌ شاغر". أشار السائق الشاب إلى كرسيِّها المتحرّك وأجاب: "يعني يختي تواخذينيش، مين بدو يفتحلك باب السيارة، ويحط الكرسي في الشنطة؟ ومين بس تنزلي بدو ينزل من السيارة ويطول الكرسي ويساعدك تقعدي عليه؟". أومأت فداء برأسها وتمتمت :"لا قوة إلا بالله، ماشي".

 

أشار السائق الشاب إلى كرسيِّها المتحرّك: "يعني يختي تواخذينيش، مين بدو يفتحلك باب السيارة، ويحط الكرسي في الشنطة؟ ومين بس تنزلي بدو ينزل من السيارة ويطول الكرسي ويساعدك تقعدي عليه؟"

 

مرّت الدقائق التي استغرقتها المسافة بين الموقعين ثقيلةً على قلب فداء، وهي التي لم يعد قلبها قادرًا على التعافي من "خيبات" الحياة سريعًا، نظراتُ الركاب كانت تحاصرها، وواحدةٌ سألت: "تزعليش.. بس بدي أعرف حادث ولا انخلقتي مُقعدة؟"، الإجابة كانت نظرةً تحمل معنى "اصمتي" ووجهٌ أدارته فداء ناحية النافذة تستجدي الطريق أن ينتهي.

 

عند مفترق الجامعة وقفت السيارة، نزل السائق كي يحضر الكرسي، ورغم أنه أخذ حقه مرّتين، لم ينسَ أن يلقي على مسامع فداء "العبارة" التي صارت تحفظها عن ظهر قلب كلما ركبت سيارة أجرة: "اللي زيّك ليش تطلع.. الله يعينك".

 

استغلالٌ وسخرية، حربُ نظراتٍ وحصار أسئلة، بعض ما يمكن أن يواجه ذوي الإعاقة في قطاع غزة إذا ما قرروا التنقّل عبر سيارات الأجرة -إلا ما رحم الله- أضف إلى ذلك ساعات انتظارٍ تُحسب من عمر الواحد فيهم "معلقًا" بين نقطة انطلاقه والهدف، فلا هو مضى نحو الإنجاز ولا هوَ وصل.

 

في هذا التقرير سنقرأ عن مواقف مرّت بها كلًا من فداء وإسلام ذوات الإعاقة الحركية، وهاشم وعبير ذوا الإعاقة السمعية، وإبراهيم ذو الإعاقة البصرية في وسائل النقل والمواصلات بغزة.

 

العثرة "طريق"!

 

تقول فداء: "تمامًا مثل الموقف السابق، مررتُ به ذات شتاء، الفرق في أن السائق عرف كيف يستغل وضعي أكثر".

 

في ذلك اليوم اضطُرت فداء إلى دفع حمولة سيارةٍ كاملة لسائق كان قد أقلَّ غيرها راكبين نحو نفس الوجهة! فقط لأنه سيضطر للنزول من سيارته تحت المطر ليُخرج الكرسي من حقيبة السيارة، عند الركوب ووقت النزول.

 

هذا يؤلمها كثيرًا، يحطُّ من همتها ويثبّط رغبتها في تحقيق أي إنجاز –كما تعبِّر- مضيفةً، "لا أطالب السائقين إلا أن يتخيّلوا بأننا أبناؤهم أو إخوتهم، هل كانوا سيقدرون على دفع كل تلك المبالغ من أجل أن يصلوا إلى أماكن تعليمهم؟ أنا أجزم لن يستطيعوا".

 

عندما كانت فداء تتنقل بمرافقة أحد إخوتها، لم يكن أحد من السائقين يجرؤ على استغلال وضعها أو مضاعفة الأجرة، كانت تواجه فقط تأفف الركّاب المتأخرين إذا ما ضيّعت من وقتهم خمس دقائق ما بين "إطلعي، زيحي لهناك، سكر شنطة السيارة، إفتح شنطة السيارة". لكن بعد أن قررت مواجهة الأمر بمفردها تزاحمت المواقف، وصارت العثرة الأولى في طريق الحلم، هي "الطريق" نفسه.

 

shareعندما كانت فداء تتنقل بمرافقة أحد إخوتها، لم يكن أحد من السائقين يجرؤ على استغلال وضعها أو مضاعفة الأجرة، كانت تواجه فقط تأفف الركّاب

إسلام أبو عشيبة، العشرينية ذات الإعاقة الحركية، التي قرّرت مرةً بعد أن نجحت في امتحانات الثانوية العامة أن تتحدى الواقع وتدرس في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية بغزة تخصص الوسائط المتعددة (ملتيميديا)، كادت أن تهدم حلمها بيديها بعد انتهاء الفصل الأول بسبب وسائل المواصلات.

 

تقول: "والدي توفي قبل عدة أعوام، كان شغفي للتعلّم وتحقيق ذاتي يحاصرني في المنام والمقام، لكن كان من الصعب علي أن أذهب إلى الكلية يوميًا وأعود دون أن يرافقني أحد، هذا كان مرهقًا للجيب ومعطلًا للحياة عند الطرف الآخر، فقررتُ أن أضحي بعلامات الحضور والغياب، وأكتفي بتقديم الامتحانات".

 

تدخّل كرم الله في الوقت المناسب، أحد الخيّرين عرف بقصتها فتكفّل بباص "فلوكس" ينقلها وحدها من وإلى الكلية بمبلغ 50 شيقل يوميًا. "صحيحٌ أن صعودي إلى الباص كان مريحًا، لا حاجة للنزول عن كرسيي المتحرك، لكن المبلغ ضخم جدًا مقابل 3 شواقل فقط يدفعها الراكب العادي من منطقة سكني في الشجاعية إلى مقر الكلية" تضيف.

 

في الفصل الثاني، ولظروفٍ مرّ بها؛ قرر المتكفّل إيقاف الدفع، فعادت إسلام إلى انتكاسات الطريق. ساعات الانتظار، ونظرات التفحّص والتعليقات الغريبة، والأسئلة الفضولية لتقرر من جديد: "لن أكمل تعليمي". ولولا أن إحدى المؤسسات المعنية بذوي الإعاقة تكفّلت بوسيلة نقل تقلها ذهابًا وإيابًا لما تخرّجت عام 2015.

 

وبعيدًا عن المواقف اليومية التي تمر بها إسلام إذا ما خرجت من بيتها بسيارة أجرة "اضطرارًا" من أسئلة متلاحقة عن: "كيف هذا؟ ماذا شخص الأطباء مرضك؟ ..الخ"، تروي موقفًا أبكاها مرة، عندما ركبت سيارة برفقة أخيها وكانا في الخلف، فإذا برجل وزوجته يريدان الركوب. تتابع، "همّت المرأة للركوب ناحيتي وأنا بطبيعة الحال لن أستطيع الحركة لإفساح المجال لها، فناداها السائق بصوتٍ عالٍ سمعه المارة: بيعينك الله يختي إركبي قدام البنت ورا معاقة، وكررها أكثر من مرة".

 

"ناداها السائق بصوتٍ عالٍ سمعه المارة: بيعينك الله يختي إركبي قدام البنت ورا معاقة، وكرّرها أكثر من مرة"

انهمرت دموع إسلام لا شعوريًا، وصارت تشهق وجعًا "كيف يناديني بالمعاقة؟"، انتبه السائق لها وكان عجوزًا فإذا به يُصدم. تقول: "هو لم يكن يقصد لكنه يمثل فئة كبيرة من السائقين بغزة، صار يعتذر مني، وتخيلوا! بكى على وقع بكائي.. بكى حقًا وبحرقة".

 

أنا لا أفهمُك..

 

ليس ذوو الإعاقة الحركية وحسب، فلذوي الإعاقة السمعية نصيبٌ آخر من عذابات التنقل عبر وسائل النقل العامة، تقول ماندي سرداح مسؤولة شئون الموظفين في جمعية "أطفالنا" للصم: "عندما يتنقل ذوو هذا النوع من الإعاقة معظهم يحمل معه ميدالية، أو علاقة مفاتيح يحملون فيها مجموعةً من الأوراق التي كتبت عليها العديد من العناوين تبعًا للوجهة التي يعرفونها، للدلالة إلى المكان الذي يودون الوصول إليه".

 

وتضيف، "تبقى المشكلة إذا ما اضطروا للذهاب إلى مكان غير مكتوب في الورقة. هناك تبدأ معاناة الشرح والتفسير بلغة الإشارة التي بالتأكيد لن يفهمها السائق"، مبينةً أن بعض السائقين "لا يعرفون القراءة أصلًا، فيستعينون بالركاب معهم أو بالمارة لقراءة البطاقة، وهذا يضع الشاب أو الفتاة في مواقف محرجة جدًا، إذ أحيانًا تصل إلى تجمهر الناس للفتوى.

 

هاشم غزال ابن الخمسين عامًا، تحدّث بلغة الإشارة عن مواقف تزعجه في وسائل النقل العامة، قال: "أحيانًا لو لم يستطع السائق قراءة الورقة يشير بيده وينطق بملامح وجهه التي نسمع صوتها جيدًا بما معناه (حل عنا، ناقصنا)، بينما يمكن لبعض السائقين أن يتظاهر بأنه لا يعرف الوجهة التي طلبها الشخص الأصم، فيأخذه إلى نفس الوجهة من طرق التفافية أطول بحجة البحث عن المكان، وهو الأمر الذي تفضحه لحظة الحساب".

 

وقال: "أقدم له المبلغ المتعارف عليه مثلًا 2 شيكل، فيبدأ بالتمتمة ثم يخرج من جيبه قطعة نقدية بقيمة 5 شواقل بمعنى (أريد مثل هذه) لأنني بحثت عن المكان طويلًا، وأنت عطلتني عن رزقي".

 

أقدم له المبلغ المتعارف عليه، فيبدأ بالتمتمة ثم يخرج من جيبه قطعة نقدية بقيمة 5 شواقل بمعنى (أريد مثل هذه) لأنني بحثت عن المكان طويلًا، وأنت عطلتني عن رزقي

اتفقت معه حول نقطة الاستغلال في أحيان كثيرة عبير الشغنوبي، التي أضافت إلى ما قاله، "إذا تصادف وصعدت السيارة أنا وصديقة من الصم، وبدأنا نتبادل الحديث بلغتنا عبر تحريك أيدينا وأصابعنا، نجد كل الأنظار تتجه نحونا، السائق ينظر عبر المرآة كاتمًا ضحكة وكأنما يشاهد نكتة! والركاب يراقبوننا ويبتسمون".

 

وتابعت، "في مرة ركبت معنا في نفس السيارة امرأة، يبدو أنها غير متعلمة، فلما شاهدتنا نتكلم بنفس الطريقة اصفر وجهها وطلبت من السائق أن ينزلها فورًا".

 

هاشم وعبير طالبا بضرورة إخضاع بعض السائقين لدورات توعوية وتدريبية لأساسيات لغة الإشارة، بالإضافة إلى دورات أخرى تعنى بأساليب التعامل المثلى مع ذوي الإعاقة -أيًا كان نوعها- ممن قد يصادفونهم خلال فترة عملهم اليومية.

 

شتان بين هذين

 

أحوال ذوي الإعاقة البصرية ليست أفضل من سابقيهم، فالصحفي العشريني إبراهيم الفراني، ويعمل مديرًا لفريق "إعلاميون نحو الحقيقة"، يقول: "قصصنا مع السائقين كثيرة، أصعبها هي عندما يستغل بعضهم كونك لا ترى، فيمرون بطرق التفافية طويلة، ويأخذون معهم ركابًا إلى وجهات قد تختلف مع وجهتك، ثم يعودون بك إلى حيث تريد ليكتشفوا فجأة -سبحان الله- أنهم لم يكونوا يعرفون أن المكان الذي تريد الوصول إليه بعيدٌ إلى هذا الحد فيضاعفون الأجرة".

 

بعض السائقين يبدأون بإطلاق زمامير سياراتهم لسؤال إبراهيم عن وجهته من على بعد عشرة أمتار، وهو بطبيعة الحال لا يرى أحدًا فيحافظ على صمته ليظن السائق أنه يهمله أو لا يبالي به أو يهينه ربما، فيغادر بسيارته غاضبًا وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، "بينما بعضهم لا يلقي بالًا في الشتاء إلى المكان الذي يقف فيه لأنزل. فجأة أجد نفسي وقد غطست في بركة ماء" يكمل.

 

"ينزل السائق ويبدأ بمهاجمتك كي يدافع عن نفسه: إنت مش شايف، كيف بتمشي وبتقطع الشارع لحالك، خليك في البيت أحسنلك"

أما إن حدث وتعرضت -كواحدٍ من ذوي الإعاقة البصرية- لحادث أثناء عبورك الطريق، فعليك أن تجهز نفسك للسيناريو القادم: "ينزل السائق ويبدأ بمهاجمتك كي يدافع عن نفسه: إنت مش شايف، كيف بتمشي وبتقطع الشارع لحالك، خليك في البيت أحسنلك"، لتضطر أنت للسكوت على اعتبار أنك لم ترَ من المصيب ومن المخطئ، ولم ترَ أصلًا إن كنت قطعت الشارع من ممر المشاة المخصص أو لا.

 

في المقابل، قد يجد الفراني في طريقه من السائقين من لو إن وضعه على الجرح يُشفى -على حد تعبيره- "تبدأ علاقة الطريق القصيرة بسؤال، كيف؟ ماذا؟ ثم اعتبرني صديقك.. هذا رقم هاتفي، وفي أي وقت اتصل بي يا أخي تجدني عندك بالخدمة، ثم لا يقبل أخذ المال أو لعله يأخذ نصف المبلغ وهو يؤكد لك: ليس شفقة، بل لأنني أحببتك".

 

طالبوا بحقوقكم

 

عددٌ لا بأس به من ذوي الإعاقة بمختلف أنواعها، لديه معرفة ضعيفة بقوانين المرور، تحديدًا الخاصة بهم، ما تعطيهم إياه من حقوق، وما تفرضه عليهم من واجبات، وهو الأمر الذي يحرمهم من استرداد حقوقهم التي تهدر أحيانًا على أيدي بعض السائقين مالًا كانت أو كرامة.

 

يؤكد على ذلك نائب مدير عام النقل على الطرق في وزارة النقل والمواصلات بغزة يحيى نصر الدين، ويقول: "عندما يتيح القانون لأي شخص يعاني من إعاقة تقديم شكوى برقم السيارة لدائرة الشكاوى في الوزارة، أو إدارة شرطة المرور، تصبح الكرة في ملعب المواطن، لكن للأسف نشعر أن هناك عدم تفاعل من قبلهم معنا، ربما يخشى بعضهم الخوض في خطوات بيروقراطية قد تأخذ منهم الوقت والجهد لتحصيل حق يمكن ببساطة أن يتنازلوا عنه".

 

ويُضيف، "أمرُّ شخصيًا في شوارع قطاع غزة عن كثير من السيارات تصطف أمام الطريق الخاص بذوي الإعاقات الحركية التي تسمح لهم بصعود الرصيف عبر صبة مائلة، لكن لم تصلنا أي شكوى من أي أحد منهم أبدًا، رغم أن هذا حق لهم تم انتهاكه".

 

وزارة المواصلات تنتظر تقديم شكاوى من ذوي الإعاقة حول التضرر الذي يتعرضون له لاتخاذ لإجراءات اللازمة

وأوضح أن الوزارة تبحث اليوم فكرة توفير مركبات لذوي الإعاقة تتسع لشخص واحد، يمكنها استيعاب ذو الإعاقة الحركية بكرسيه دون أن تضطره للنزول عنه، "هذا في مرحلة البحث ونتمنى تطبيقه في المستقبل القريب"، مؤكدًا أن تسهيلات كثيرة تم تقديمها لذوي الإعاقة على رأسها تخفيض رسوم الترخيص التي تصل إلى 30 شيقل فقط سنويًا على عكس المطلوب من "الأسوياء" جسديًا والذي قد يصل أحيانًا إلى 700 دولار.

 

ونوه إلى استغلال بعض التجار والسائقين هذه الميزة، من خلال ترخيص السيارة باسم أحد ذوي الإعاقة مقابل "إكرامية"، فيتمتع بميزه مبلغ الترخيص الرمزي إلى أن يتم اكتشاف أمره.

 

وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2017، فإن في فلسطين 92710 من ذوي الإعاقة، بينهم ما نسبته 6% في قطاع غزة، و3% في الضفة الغربية، إعاقاتهم ناتجة عن الاحتلال.

 

 
   

للمزيد : أرشيف القسم