لا تضربها...

 لا تضربها...
6/12/2018
بقلم : سهيل كيوان
 

أنا ضد مقولة إن الضرب للحمير، فالحمير أيضا أرواح وممنوع ضربها، ممكن توجيه الحمار بقضيب رمّان أو زيتون طري وحتى بصفعة خفيفة بالكفّ بدلا من ضربه بعصا، هذا إذا ما زال هناك من يتعامل مع الحمير

 

لقد رأينا وما زلنا نرى برامج كثيرة تحتج على العنف الممارس ضد مختلف الأحياء، كالكلاب والأبقار وحتى الدجاج، وطبعا من الأولى أن ننظر إلى الجنس البشري الذي يمارس العنف ضد بعضه البعض في تجليات وصور مختلفة.

 

العنف آفة منتشرة عالميا، وأميركا أكبر منتج ومصدّر لها، مثلما تصدّر السلاح والقمح وأجهزة الهاتف، تليها إسرائيل كدولة احتلال ثم الدول الدكتاتورية القامعة لشعوبها.

 

لن أدخل في تفاصيل السياسة والعنف اللذين لا يمكن فصلهما عن بعضهما، وسوف أتمركز في العنف المحلي، الناتج عن عوامل كثيرة سياسية واجتماعية واقتصادية.         

 

في بلادنا، جرى إضراب يوم الثلاثاء، ومظاهرة قطرية في تل أبيب، وسوف تقام مسيرة أخرى في عرابة البطوف بدعوة من لجنة المتابعة، وهناك تذمر يتسع ضد ظاهرة العنف الممارس ضد النساء، وصارت قضية العنف ضد النساء تطفو أكثر وأكثر في وسائل الإعلام، وكثيرات منهن لا يترددن في الإعلان والبوح، سواء للمحيطين بهن أو لعاملات اجتماعيات، أو حتى للشرطة، فقد ولى الزمن الذي كانت فيه المرأة تتحمل العنف بصمت.

 

العنف منتشر عموما، ولكنه منتشر في مجتمعنا العربي أكثر من المجتمع اليهودي، لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية، كذلك ونجده لدى الشرائح الضعيفة من اليهود وخصوصا الأثيوبيين أكثر من غيرهم، وكذلك لدى القادمين الجدد الذين لم ينجحوا بالاستقرار اقتصاديا.

 

 هل بقدرة القانون الحد من العنف؟  

لقد ساد العنف ضد طلاب المدارس فترة طويلة في سنوات سابقة، وكان بعض المعلمين يمارسه بالفعل غيرة على طلابه، ولكن البعض كان يمارسه بسبب أمراض وعقد داخلية يفجرّها في وجوه طلابه، ولكن هذا العنف بدأ بالتلاشي، وصرنا نسمع عن حوادث فردية قليلة هنا وهناك، حدث هذا التراجع بقوة القانون الذي حرّم ضرب التلاميذ مهما كان السبب.

 

القانون الذي يحمي النساء من العنف موجود، ولكن النتائج الوخيمة على الأسرة، التي قد تحدث بعد تقديم شكوى، هي التي تردع أكثر النساء عن تقديمها، وهذا يشجع الرجل الضعيف الذي يرى بأن المرأة عاجزة، بسبب ارتباطها الاقتصادي به في كثير من الحالات، وبسبب الضغوط الاجتماعية عليها.     

 

الرجل الذي يمارس العنف مثير للشفقة، خصوصا عندما يمارسه ضد زوجته، عادة ما يكون مسكينا، إذ تتجلى قمة ضعفه عندما يلجأ إلى العنف، العنف يفضح عجزه عن مواجهة مشاكل الحياة بالطرق السلمية، ويفضح عجزه من أن يكون مقنعا لأنثاه، وعجزه عن مواجهة أولئك الذين يقمعونه في الحياة السياسية والاجتماعية والعملية.

 

القانون الصارم يحمي الرجل أيضا من عنفه هو نفسه، والتساهل مع الرجل يورطه أكثر وأكثر.

 

للمشاكل بين الأزواج أسباب أكثر من أن تحصى، عاطفية أو اقتصادية وذاتية وموضوعية كثيرة لا يمكن حصرها، ولكن عندما يصل زوجان إلى التعنيف والضرب بصورة متكررة، يجب التوقف هناك، لأن العلاقة لم تعد علاقة شراكة إنسانية، بل باتت علاقة مُختلة، علاقة تسبب الألم والعذاب للطرفين، المرأة تتحطم، كذلك فإن الرجل العنيف ليس سعيدا عندما يضرب زوجته ويعنفها، هذا ينغص عليه عيشته ويفقده متعة الحياة، لأنه في قرارة نفسه يدرك أنه يفعل هذا بسبب ضعفه عن مواجهة تعقيدات الحياة والضغط الذي يتعرض له. إضافة للعقد النفسية التي يتركها العنف لدى الأبناء.

 

معظم النساء العربيات المعنّفات يحاولن التعايش مع العنف، لأنهن يرين بالطلاق بابا لعنف أقسى وأمرّ، خصوصا إذا لم يكن لهن مهنة يعتشن منها بكرامة.

 

هناك من غامرن منهن ونجحن في الخروج من تحت وطأة العنف، يعملن بكرامة، ويعشن حياة أفضل وأكثر سلامة نفسية لهن ولأبنائهن، ولكنهن أقلية حتى الآن.

 

الاستقلالية الاقتصادية للمرأة هي شرط أساسي لتحررها من عنف الزوج والأسرة، فهي تمنحها القدرة على التلويح باتخاذ قرار الانفصال، أو البقاء المشروط بالكرامة والاحترام المتبادل، ولهذا على كل فتاة أن تضع إستراتيجية الحصول على ما يؤهلها للعمل مستقبلا، وأن لا تعتمد في إعالتها على زوجها المستقبلي كي لا تكون رهينة له.

 

لقد تغيرت المفاهيم الاجتماعية ولم تعد المطلقة عبئا على من حولها، وخصوصا القادرات منهن اقتصاديا، وبسهولة صرن يجدن رجلا لجولة ثانية من الزواج، وصار مجتمعنا يدرك أكثر وأكثر بأن المشكلة على الأرجح قد تكون من الرجل وليس من الزوجة.

 

 التغلب على آفة العنف ضد النساء يحتاج إلى اكتشاف الذات، فحين يكتشف الرجل السبب الحقيقي لعنفه، سوف يخجل من ممارسته، والسبب عموما هو ضعفه، وعدم قدرته على مواجهة الضغوط الخارجية بكل أشكالها، سواء القمع السياسي أو الاجتماعي، إلا أن هذا الوعي بالذات سوف يستغرق حقبة زمنية طويلة، لهذا لا بد من يد القانون الثقيلة في مواجهة العنيفين، إلى جانب التوعية المستمرة للطرفين، والتي يجب أن تبدأ منذ مراحل الطفولة المبكرة.

 
   

للمزيد : أرشيف القسم