طيبي وتزاوج "المال والسلطة" و"المخترة السياسية"

طيبي وتزاوج
10/1/2019
بقلم : سليمان أبو ارشيد
 

إذا كان هناك من حسنة لإعلان/ مناورة عضو الكنيست أحمد طيبي بالانسحاب من القائمة المشتركة، فهي إلقاء حجر في المياه الراكدة لانتخابات الكنيست في المجتمع العربي، التي تحولت بعد تأسيس القائمة المشتركة، من معركة سياسية استنهضت فيها الهمم وارتفعت العقائر الحزبية إلى ما يشبه المزاد الداخلي، يجري خلاله تقاسم المقاعد والمنافع المرتبطة بها، ثم تساق الناس من دون أي نقاش إلى صناديق الاقتراع باسم الوحدة والإجماع.

 

لقد تعاملت الأحزاب معنا ومع ذاتها وكأنها جزء من الساحة السياسية الإسرائيلية، التي فرضت عليها التوحد لعبور نسبة الحسم، وتقتضي منها الحصول على أكبر عدد من المقاعد لزيادة تأثيرها في الكنيست، ولربما تشكيل جسم حاسم أو كتلة مانعة، وتناست تلك الأحزاب كونها مكونات لمركب وطني مستقل عن هذه الساحة بل ونقيضا لها، مركب حي وفاعل يحمل سمات وخصائص وصيرورة داخلية تعكس الأحزاب أحد تعبيراته السياسية، طالما بقيت متطابقة مع جوهره وملتزمة بترجمة روح الحياة النابضة فيه، إلى حراك وفعل سياسي واجتماعي وثقافي على الأرض.

 

ورغم "محلية" ساحة الداخل التي تفرضها الحدود السياسية، إلا أن مكوناتها لا تنقطع عن نطاقها الفلسطيني ومحيطها العربي، حيث تشكل أحزابنا امتدادا للتيارات الفكرية والسياسية السائدة في هذا النطاق والسابحة في هذا المحيط، من قوميين وإسلاميين وشيوعيين، وهو ما يجعل فضاءنا السياسي أوسع بكثير من الملعب الإسرائيلي.

 

ومن دون شك، فإن تحجيم الحراك الداخلي وحشر الجميع تحت سقف منخفض واختزال ألوان الطيف السياسي بلون واحد هجين بدعاوى الحفاظ على الوحدة، لم يكن بمثابة عملية اغتيال للحياة السياسية الوطنية فقط، بل خلق فراغا نمت وتزاوجت داخله أنماط المخترة السياسية ونزعات "المال والسلطة" التي برزت جليا في الانتخابات المحلية الأخيرة.

 

وإذا كان تحييد الاختلاف والخلاف السياسي قد فتح الباب واسعا أمام البطولات الفردية، بعد أن استبدل الحزب بالشخص واستعاض عن البرنامج والموقف السياسي بحركات "السوبرمان"، فإن انسحاب السياسة من ساحة الانتخابات المحلية، ترك الميدان لحالات هي خليط من المخترة السياسية المدعومة بمال "رجال الأعمال".

تلك هي "الخلطة" التي يتألف منها ائتلاف طيبي الجديد الذي يهدد به المشتركة، بعد تطعيمه ببعض الأكاديميين "الطموحين"، مستغلا الحالة التي تحدثنا عنها آنفا، إلى جانب انغلاق الأحزاب على ذاتها وعدم قدرتها على قراءة المتغيرات الاقتصادية/ الاجتماعية، التي مرت  بمجتمعنا في العقد الأخير واستيعاب القوى الجديدة الناتجة عنها تحت مظلتها.

 

والمفارقة هي أن دوائر الأحزاب ضاقت واستحكمت حلقاتها، في وقت ذابت فيه الفوارق النوعية بين دوائر الأعضاء والأصدقاء والأنصار، وفي زمن ولى فيه عهد "الكوادر الحزبية" ذات الرصيد النضالي والتجربة الميدانية والتعبئة السياسية، من الطراز الذي كنا نعرفه في السابق، والتي تستحق جدارة التميز عن الدوائر الأخرى في احتكار سلطة القرار والقيادة.

 

وعليه، فإن استمرار الانغلاق غير المبرر والذي يحول دون إيجاد القوى الجديدة موطئ قدم لطموحها من خلال الأحزاب القائمة، سيعطي الشرعية لمستقلين وأكاديميين ورؤساء مجالس سابقين وربما لتجار سياسة، على غرار المجموعات التي تلتف حول قائمة طيبي المنتظرة وغيرها، ويضعف بالتالي من هيبة وتمثيل الأحزاب السياسية الحقيقية.

 

ولربما من المفيد أن تكون مناورة طيبي مناسبة للأحزاب للاستفادة من الدرس وإصلاح الخلل القائم في بنيتها التنظيمية وفي أدائها السياسي، والخروج من القوقعة الفئوية و"المشتركة" إلى الفضاء السياسي الرحب. كما يجب عليها أن تدرك وهي تنتخب ممثلين للكنيست ولغير الكنيست، أنها موكلة بانتخاب ممثلي شعب أو جزء من شعب، يجب أن يكونوا من الجدارة بحيث يستحقون هذه الثقة.

 

وأخيرًا، وبغض النظر عن عودة طيبي أم مغادرته، فإن تهميش الحالة التي يمثلها يكون بإعادة ضخ المياه التي توقفت في شرايين الحياة السياسية، بجلبها ونقاشاتها، اختلافاتها وخلافاتها، صخبها وضجيجها وجدلها ونقاشاتها، لأن الأسماك لا تعيش في المياه الراكدة.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر الموقع

 
 
   

للمزيد : أرشيف القسم